علي أنوزلا يكتب: لماذا لا يمكن الرهان على بنكيران؟
ليست هذه هي المرة الأولى التي يخيب فيها عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المغربية، ظن أعضاء حزبه قبل مؤيديه وأنصاره ومن صوتوا له. فكلما رفع الرجل صوته واحتدت نبرة انتقاده وكشر عن غضبه، يجب انتظار تنازل أكبر منه.
لن نحصي المرات العديدة التي انقلب فيها بنكيران على نفسه حتى عندما كان حرا في المعارضة. إن الأمر يتعلق بأداء باهر في التمثيل يعرف كيف يشد اهتمام المتفرجين ويرفع درجة الأدرينالين في أجسادهم استعدادا لحالات الكر والفر، لكن سرعان ما يرفع الممثل قبعته ليخرج منها منديله الأبيض ملوحا بالاستسلام ومعلنا عن نهاية اللعبة.
إن الحديث هنا يخص آخر مواقف بنكيران التي خذلت مؤيديه وأحرجت أعضاء حزبه، ووضعت نوابهم داخل البرلمان في حرج جعلهم يبتلعون ألسنتهم ويلوذون بصمت مخجل.
الواقعة تعود إلى أحد الاجتماعات الحكومية عندما سربت الصحافة أن بنكيران عبر عن غضبه الشديد من وزيري الفلاحة والمالية في حكومته، لأنهما قاما بإدراج مادة في مشروع قانون المالية للعام القادم تمنح وزير الفلاحة جق التصرف في صندوق مالي ضخم بقيمة 55 مليار درهم (ما يناهز 5.5 مليار دولار)، أي أكثر من سدس ميزانية الدولة المغربية، طبعا بالإضافة إلى ميزانية وزارته الضخمة التي تظم قطاعي الفلاحة والصيد البحري.
يومها كتبت الصحافة المقربة من رئيس الحكومة، وتحدث أعضاء قياديون من حزبه، عن حالة الغضب التي انتابت رئيسهم، وذهب بعضهم في كتاباته وتصريحاته إلى إعلان الحرب باسم بنكيران على وزير حكومته في الفلاحة، وهو وزير تكنوقراطي مسنود من القصر، وضعه أنصار بنكيران في موقع من يخوض حربا بالوكالة عن من يقف خلفه ويسانده.
لكن عندما احتد وطيس المعركة الكلامية تدخل بنكيران مرة أخرى، لا ليفسر سبب غضبه وحنقه الذي روج له أتباعه، وإنما ليمدح ويثني على الوزير الذي كانوا يطلبون رأسه. ومع ذلك استمر البعض من هؤلاء، وعلى رأسهم رئيس فريق الحزب في البرلمان وبعض نواب الحزب يتوعدون بأن الحرب التي لم يخضها بنكيران ضد أحد أعضاء حكومته خوفا على خراب بيتها، سيخوضه نواب حزبه، بالنيابة عنه، داخل البرلمان ولن يسمحوا بتمرير تلك "الغنيمة" الكبيرة إلى وزير اتهموه بالتحايل على رئيسهم.
وعندما احتد الوطيس وحانت ساعة الوغى، ودون سابق إنذار، وبلا مبررات، أعلن نواب حزب بنكيران انسحابهم، هم الآخرون، من المعركة وأعادوا سيوفهم إلى أغمدتها. أما كتيبة الشحن المعنوي والدعم اللوجستيكي اللفظي، فقد ابتلعت ألسنتها ومسحت فوق شفاهها قبل أن تكشر من جديد عن أنيابها، ليس ضد من خذلها بعدما حرضها ودفعها إلى رفع عقيرتها، وإنما ضد من كان ضحية لتعبئتها وشحنها وصدق فعلا أصوات دعايتها.
هذه الحالة ليست جديدة على بنكيران وعلى أعضاء حزبه، وفي كل مرة كانوا يجدون لهم مخرجا من ورطة ألسنتهم الحادة التي سرعان ما يبتلعونها ويلوذون بصمت غير مبرر.
هناك من يفسر مثل هذا التصرف بأنه "تكتيك" تمليه ألاعيب السياسة، وهناك من يذهب إلى تصنيفه ضمن درجات "الدهاء" السياسي الذي مازال لم يجد له مكانا في قاموس السياسة. لكن الشيء المؤكد هو أن تكرار حالات الخذلان قد تفقد ثقة الأتباع والأنصار في خوض المعارك المقبلة، والتي ربما قد تكون حقيقية ولأهداف نبيلة لكن لا أحد يستطيع أن يراهن بأنها ستقع فعلا…