من لك يا أقصى.. شعوب مستضعفة وأنظمة متواطئة

- سعيد البوبكاري

تظل أهم قضية يحملها المسلم في وجدانه –عربيا كان أو أعجميا- هي القضية الفلسطينية، لما تحظى به من القداسة، فالقضية الفلسطينية هي القدس والأقصى، هي الإسراء والمعراج، هي الفتح والنصر، هي رمز القوة والمنعة، هي مقياس التحرر من التبعية لدول الاستكبار العالمي، هي كل هذه الحمولة من القدسية والتاريخ والتعبئة التي تمتح من أسس العقيدة الإسلامية. المسجد الأقصى الذي يتشاركه المسلمون هما جماعيا يتطلعون فيه دوما لانبجاس نور التحرر من قبابه وساحاته، من مآذنه ومدارسه، تطلُّع للحدث وتطلع لحركة فاعلة يشاركون فيها إخوانهم الفلسطينيين كتفا بكتف لإنتاج لحظة نصر ترسم معالم أمة عانت النكبات ووقع النكسات في كل منعطف يتلمسون فيه زمام اللحاق معللين النفوس بتوقهم وشوقهم.

لكن في السنوات الأخيرة لوحظ نوع من البرود في التعاطي مع ملف مهم كهذا، خاصة في المنطقة العربية إن على المستوى الشعبي أو الرسمي.

  • فما مرد هذا البرود؟
  • وهل الأحداث السياسية التي تمر بها المنطقة هي السبب في فتور الاهتمام العربي وخفوت صوته؟

مع الاعتداء الأخير على الأقصى بمنع دخول المصلين إليه، ومنع الآذان والصلاة فيه، ما شكل سابقة خطيرة لم يقْدم عليها العدو الصهيوني منذ قرابة نصف قرن (1969)، بعد إقدام قائد شرطة الاحتلال على غلق بوابات البلدة القديمة في القدس وأبواب الأقصى؛ مع كل هذه الأحداث المتسارعة قفز إلى السطح السؤال القديم الجديد المقلق لراحة الدوائر الرسمية في الأوطان العربية حول حجم الاهتمام الذي أضحى الأقصى يشغله من مجموع اهتمامات الأمة خاصة على المستوى الرسمي.

يقول المولى عز وجل في محكم تنزيله: (سُبحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ  الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى  الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، الآيات الكريمة تخبرنا بعظمة بيت المقدس وأكناف بيت المقدس (وباركنا حوله)، بهذا يستشعر المسلم ثقل الأمانة التي أصبحت تتقاذفها أيدي اليهود ومخططاتهم، بعد أن أصبح الأقصى تحت سيطرة الاحتلال وأساطيره التي صيرها صكا للحفريات والأشغال المتواصلة بجنبات الأقصى وما تحته لتغيير الوضع التاريخي القائم بالقدس، معززة بالدور المتعاظم لدول الاستكبار العالمي بتدخلها في هندسة سياسات المنطقة وتوجيهها، ومن ثم ما تنتجه من آليات الضبط والتحكم في مسارات القضية الفلسطينية.

الاعتداء الأخير على الأقصى بمنع ولوج المصلين إلى باحات المسجد، وما تلا ذلك من إجراءات "إسرائيلية" سافرة كان من بينها وضع بوابات إلكترونية تتحكم في دخول المقدسيين في أفق بسط سيطرتها الكاملة على المسجد الأقصى،  إنما هو نتيجة منطقية لتراكم معقول من الانتهاكات المستمرة للاحتلال وكذا للاستفزازت المتتالية للمستوطنين والمتطرفين اليهود تحت حماية جيش العدو، مع صمت عربي مهول.

بهذه الصورة المختصرة التي تختزل معاناة الأقصى والمقدسيين مع الانتهاكات المتواصلة والمدروسة في أعلى مستويات السلطة "الإسرائيلية"، يقفز إلى الذهن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المسلمين، وخاصة العرب منهم لكونهم يشكلون أجزاء الطوق المحيط بالدولة الفلسطينية، والذي يفترض فيه أن يكون طوق النجاة والسند، طوق التحرر والممد، وليس طوقا للحصار والتآمر.

ففي كل مرة تشتد فيها هذه الأحداث والاعتداءات الجسيمة، يكتفى العرب بإصدار بلاغات التنديد والقلق ومطالبات لمجلس الأمن بالتدخل، وفي أفضل حالات تلكم الردود تنتهي بتلاوة بيانات حماسية تمخضت عن اجتماعات طارئة للجامعة العربية التأم أصحابها بعد اثقال لم تقلقه سوى المسيرات الشعبية التي تخرج عقب كل اعتداء.

ننطلق من حدث المنع الأخير وما تلا ذلك من ردود عربية محتشمة، ونقف على أن بعد مرور ساعات من الاعتداء لم يندد بالتجاوز الخطير إلا ثلاث دول (قطر، اليمن، الأردن) من أصل اثنتي وعشرين (22) دولة عربية، وبعد مرور أسبوع كامل على الحدث المقلق، اتضح أن الموقف الرسمي لم يطرأ عليه أي تغيير يذكر في اتجاه التفاعل مع الحدث وإنتاج فعل سياسي يكبح النزوات الصهيونية، بل استمر الموقف الصامت المتفرج دون أي رد فعل يردع الانتهاك "الإسرائيلي"، هذا الانتهاك الذي جاء في سلسلة أحداث متتالية طبعت المشهد الفلسطيني، وكانت بمثابة بالون اختبار من قبل الاحتلال لدراسة التفاعل العربي الرسمي مع ما يحدث على أرض الإسراء والمعراج، خاصة في حلقة التصفيات الميدانية التي ارتقى على إثرها عدد كبير من الشهداء بتهمة الاشتباه في تنفيذ هجمات طعن، فكان الرد العربي إثرها كما كان متوقعا خجولا كعادته محتشما، لا يختلف عن طبيعة الردود بشأن مخططات التهويد التي طالما حذر منها -ومن انعكاساتها على أفق الصراع- شيخ الأقصى المجاهد رائد صلاح ومن يشتغل معه لفضح ممارسات الاحتلال من داخل مناطق الخط الأخضر.

بهذا الجرد السريع يمكن الوقوف على قناعة مفادها أن المؤسسة العربية الرسمية بعيدة عن الهم الفلسطيني، بعيدة عن قضية المسلمين الأولى. وذلك نتاج للسياق العالمي الذي صنع الأنظمة العربية بعد فترة "الاستعمار"، من خلال الاتفاقيات المهينة التي أشرفت –بعد الفترة الاستعمارية التخريبية- على هندسة الخريطة السياسية للبلدان العربية التي خرجت مثقلة بالحروب ومنهكة بالصراع بين جناحين متناقضين على المستوى الميداني والسياسي، جناح اتخذ من المقاومة سلاحا لتحرير الأرض والإنسان، وجناح هادن الاحتلال والقوى الامبريالية للإبقاء على الامتيازات السياسية والاقتصادية الموروثة من أسلافه الذين كانوا سببا في الوضع المتردي الذي أدى إلى حالة من إنهاك الدولة العربية لتدخل في حلقة الضعف الذي أوهنها، ومن ثم جعلها طيعة على الغزو بعيدة عن الهم العربي والإسلامي المشترك، لأنها حملت في ثناياها عناصر الضعف التي أدت إلى قابيلية رهيبة للخضوع (كما وصفها مالك بن نبي) لسطوة الغزاة المتربصين بالثروات والموارد المتطلعين لفتح مجالات حيوية لدولهم.

في هذا الوضع المتردي، دخلت الخلية المسرطنة للمنطقة العربية واحتلت البيت المقدس، مستفيدة من انشغال العرب بنشوة الاستقلال الموهوم والصراع مع حركات التحرر الوطني التي تعرضت فيما بعد للإقصاء، لتدخل الأنظمة العربية الضعيفة –ابتداء- في حرب مع أبناء الوطن، في حركة مصرة على الاستفراد بالحكم والغنائم متيمة ببسط أذرع الاستحواذ والسيطرة.

في ظل هذا الخضم الذي طغت عليه الأنانية والمصلحية الضيقة في سبيل تحصين مكرمات الاستعمار، تراجع الاهتمام بالقضايا العربية والإسلامية وعلى رأسها قضية المسلمين الأولى فلسطين، وهو ما نعيش انعكاساته الكارثية على مواقف الدول العربية وأنظمتها التي اتسمت بغير قليل من التخاذل والنكوص عن النصرة، إلا ما يصدر عنها من بيانات لا تقدم ولا تؤخر في دنيا السياسة التي لا تتسع إلا لأثر الفعل الوازن. ذلك أن المنتظر من الدول هو المواقف الجريئة التي تذود عن حمى الأمة بأفعال توازي المصرح به، وليس ما نشهده من مساومات ومزايدات جوفاء، بل ما يطفو على السطح بين آن وآخر من أخبار التطبيع والبيع خلف الظهور وتحت الطاولات وموائد الشراء والإسكات.

تحت طائلة هذا الضعف غير المبرر، بدأت الدول العربية تستقيل تباعا من مسؤولياتها تجاه أولى القبلتين، بعد توقيعها لاتفاقيات "السلام"، بدءا بمصر مع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978، وتلتها دولة الأردن الوليدة التي استحدثت بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها -لحاجة في نفس النظام العالمي- بتوقيعها اتفاقية وادي عربة سنة 1994، بهذا بدأت الدول العربية في الانسحاب من الصراع العربي/الإسلامي "الإسرائيلي" مؤذنة لباقي دول المنطقة بنفض يديها من القضية الفلسطينية، ما أدخلها مرحلة جديدة تتسم بالأحادية في إدارة الصراع مع الاحتلال.

هذا الجسد العربي الواهن، أساسا، دست فيه الدول الغربية سموما مختلفة لعزل القضية الفلسطينية حتى يخلو وجه الاحتلال الصهيوني من العقبات والمنغصات وتكون من بعدها قومية صالحة، كان أبرز تلك السموم أن سهرت على توطيد دعائم الاستبداد وإفشال أي تجربة سياسية تختارها الشعوب العربية لحكم نفسها بغية سلب إرادتها والتحكم فيها، بل وتوجيهها للانشغال بهوامش لا تضطلع معها بأي دور فاعل يغير مجرى الصراع ويهدد لقيطتها في المنطقة، وذلك بإذكاء النعرات القبيلة والطائفية وشغلهم بهموم محلية تنسيهم أمل التطلع لتحرير الأقصى. فنتج عن ذلك حزام يطوق فلسطين، يتاجر مع الاحتلال ويربط مصلحته بالوفاء للمشروع الصهيوني من باب تطبيع العلاقات وتبيض اللقاءات بمبررات التنسيق والتعاون لتحصين السلام، وأي سلام في ظل الاغتصاب اليومي لأرض الإسراء والمعراج! بل أي أنانية غشت أعين العرب! فيما العزاء في أمة الإسلام في دائرتها الأوسع، حيث الاهتمام بالقضية الفلسطينية شكل جزءا مهما من اهتمامات الشعوب المسلمة الأعجمية وأنظمتها الحاكمة على السواء، بينما ظلت الشعوب المستضعفة بالاستبداد وحيدة تنافح عن القضية بحسب ما تستطيع في ظل سيف القمع والظلم المسلط على رقابها.

لذا فإن أكثر ما يصيب مقاتل القضية الأولى للمسلمين هو الأنظمة المستبدة الخانقة للأنفاس، فهي تغتال إرادة الشعوب، وتحاصر تطلعاتها حتى لا يتسنى لها التفكير في هم أمتهم الجمعي، تبعا ذلك فإن تحرير الأقصى رهن بتحرر الشعوب العربية وانعتاقها من أصفاد الاستبداد.

اعتداء 14 يوليوز وتفاعلاته اللاحقة أكدت على دخول قضية الأقصى مرحلة مصيرية لغياب الاهتمام العربي الرسمي وخفوت الصوت الشعبي، طبعا، مع ما بين المستويين من الفارق في حجم المسؤوليات، لذلك لا يليق بمؤسسات في مستوى الدولة الاكتفاء بسياسة البيانات، ومع غياب الفاعلية والأثر في إدراة الصراع عند الحكام العرب وغيابهم بشكل تام عن هذه الساحة، أصبح الإنسان العربي مع هذا الوضع يستجدي حتى تلك البيانات التي لا تقدم ولا تؤخر، ذلك أن الصراع فعْل في الميدان يختبر مشروعية السلطة العربية وغيرة مسؤوليها، أما الشعوب في حالتها المزرية فلا تلام، ولا يصح مع الوضع القائم بأن ينتقص من فاعلية حركتهم من خلال الوقفات والمسيرات ومختلف التظاهرات عملا بـ "أضعف الإيمان"، كون المسؤولية الأعظم تقع على عاتق دولها.

 

 

وعليه، فإنه متى تحررنا من ربقة الاستبداد وأغلال الاستعباد كان تحرير الأقصى وشيك ممكنا، غير ذلك يبقى الأمل في التحرير حلما لذيذا يساورنا وأمنية نتغنى بها بعيدا عن المنجز الميداني، فيما يظل خيار المقاومة سبيلا للنصر والتمكين لا محيد عنه.  

 

 

 

 

 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي انباء24

أضف تعليقك