بوغنبور لأنباء24: لقد أصبح الشغل الشاغل للدولة هو التضييق على الحركة الحقوقية

- أنباء24

بمناسبة الذكرى 68 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يصادف 10 دجنبر، أجرت جريدة أنباء24 الالكترونية حوارا صحفيا مع الأستاذ عبد الرزاق بوغنبور رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان، تكلم فيه عن وضعية حقوق الانسان بالمغرب، في ظل سنة كانت حبلى بأحداث شهدت انتهاكات حقوقية كثيرة أخرجت المغاربة إلى الشارع احتجاجا على سياسة الدولة تجاه مطالب المواطنين التي قوبل بالعنق والقمع.

1 ما هي قراءتك لهذه السنة الحقوقية بالمغرب؟

يحتفل العالم اليوم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 دجنبر 1948٬ وهو مناسبة لتقييم واقع حقوق الإنسان بالمغرب من خلال مساءلة الدولة بجميع مكوناتها٬ من أعلى مؤسسة تدبر شان البلد٬ إلى أدناها٬ هذه المساءلة ينبغي أن تعتمد على سند٬ انه دستور 2011 بالمقارنة مع الدساتير السابقة فهو  ذا حمولة حقوقية كبيرة جدا٬ حيث تضمن في فصوله صبيبا حقوقيا مهما ٬ وهو ما يلمسه الأكاديميون والحقوقيون والباحثون والمهتمون٬ وتحديدا من الفصل 19 الى الفصل 40 ضمن الباب الثاني المخصص للحقوق والحريات.
لأول مرة نجد أنفسنا أمام وثيقة دستورية٬ في بابها الثاني عنوان للحقوق والحريات٬ في حين أن الدساتير السابقة كانت تتحدث عن الحقوق والحريات٬ و لكن ضمن أبواب مختلفة وغير واضحة ٬ الأكيد كذلك إلى أن الوثيقة الدستورية رفعت من مستوى العديد من المؤسسات الوطنية  إلى مستوى مؤسسات دستورية منظمة ومتخصصة  كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان - المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي - الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها - مجلس المنافسة وغيرها من المؤسسات ، لكن ما يلاحظ عامة أن هناك فرق كبير بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي لها ؛

لقد وعدت الحكومة المنتهية ولايتها في برنامجها ب ” ترسيخ دولة الحق والقانون والجهوية المتقدمة والحكامة الرشيدة الضامنة للكرامة والحقوق والحريات والأمن والقائمة على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق بالواجبات.” لكن واقع الحال يؤكد مقولة “الردة في المجال الحقوقي”، على اعتبار التراجعات الخطيرة التي مست الحقوق والحريات، من خلال المس بالحريات النقابية ومصادرة حرية التعبير والحق في التظاهر السلمي ( التعاطي السلبي مع احتجاجات المعطلين و مع احتجاجات مجموعة من النقابات العمالية…). إضافة إلى اقتطاع أيام الإضراب، في غياب إطار قانوني ينظم العملية رغم أن هذا الحق مكفول دستوريا . ونسجل كمنظمة حقوقية في هذا الباب ما يلي : أن هناك بطء كبير في مجال أجرأة الشق الحقوقي في الدستور، وضعف واضح في بعض القوانين التي صدرت خلال الدورة التشريعية الاخيرة من ولاية هذه الحكومة ، خاصة منها  القوانين المرتبطة بحرية التعبير والصحافة والنشر، والقانون المنظم للمجلس الاستشاري للأسرة والطفولة ومشروع القانون التنظيمي لهيئة المناصفة ومكافحة جميع اشكال التمييزوالقانونين التنظيميين المتعلقين بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية والقانون التنظيمي الخاص بالمجلس الوطني للغات والثقافة في المغرب والقانون الاطار المتعلق بحقوق الاشخاص في وضعية إعاقة وغيرها ، ناهيك عن عدم اشراك الحركة الحقوقية أو اشراكها صوريا  أثناء اعداد هذه المشاريع  أما في ما يتعلق بالأليات الوطنية لحماية حقوق الانسان تسجل العصبة باستياء كبير التأخر الواضح  في تحيين وإصدار القوانين لعدد من المؤسسات الدستورية المكلفة بالحماية والنهوض بحقوق الانسان نذكر منها المجلس الوطني لحقوق الانسان ، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ، مؤسسة الوسيط ، مجلس المنافسة وغيرها ...؛على مستوى الالتزام الدولي لازلنا نسجل ابقاء الدولة المغربية على عقوبة الاعدام في قوانينها الجنائية ، وذلك بالامتناع عن التصويت – لخامس مرة – لصالح القرار المتخذ من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة والداعي الى وقف تنفيذ عقوبة الاعدام .

لقد كان الاعتقاد السائد أن المغرب بعد دستور 2011 وما تضمنه من إشارات " ذات صبغة حقوقية " أنه سينتقل بنا إلى مرحلة جديدة يجسد فيها دولة الحق والقانون ويقطع مع الممارسات السابقة المتجلية في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والتضييق على الحريات العامة لكن بعد مضي ما يقارب الأربع سنوات لا شيء تغير في المجمل ، بل إن أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب لم تعرف ذلك الاستقرار المنشود، والذي يعتمد على الاحترام الفعلي لهذه الحقوق، وتنزيل الخطاب الرسمي للدولة المغربية للممارسة ، وتبين أن التصديق على عدد كبير من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، لا يتناسب مطلقا مع التفعيل الكامل لمقتضياتها : واقعا وتشريعا وممارسة، وأن ما يتضمنه دستور يوليوز 2011، من تأكيد على احترام حقوق الإنسان في الفصل المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، يختلف تماما على الممارسة اليومية فلم يعد المواطن البسيط المستهدف بهذه الانتهاكات فقط ، بل استهدف التضييق والمنعمعظـم الجمعيات الحقوقية الوطنية ، كذلك المتتبع للشأن الحقوقي بالمغرب ، لابد أن يسجل المحاولات المتكررة لبعض المسؤولين لمحاصرة عمل المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتحجيم أدوارهم في الاضطلاع بمهام الدفاع عن الحقوق والحريات المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والنهوض بها، في انتهاك سافر للإعلان العالمي لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وللمبادئ التوجيهية ذات الصلة.

وقد عرفت الولاية الحالية لهذه الحكومة ، جملة من الخروقات تجلت في المنع الممنهج ،الذي استهدف الجمعيات الحقوقية والمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان،ويمكـن تسجـيل بداية التضييق على الحريات في مـنع تقـديم وصولات الإيـداع " مؤقتة أو نهائية " لمجموعة من فروع الجمعيات الحقوقية ، سواء أثناء مرحلة التأسيس أو التجديد، أو اثناء أجرأة الانشطة الحقوقية ، فنحن في العصبة لازالت  فروعنا الإقليمية  بأسا الزاك وكلميم  بدون وصل إيداع  لحدود الآن.

2 تتزامن ذكرى حقوق الانسان لهذه السنة مع أربعينية محسن الذي طحن داخلة شاحنة الأزبال، والتحقيقات في مقتله لم تصدر أي نتائج لحد الساعة، ما تعليقك.

هذه السنة خاصة والولاية المنتهية لبنكيران عرفت تراجعا خطيرا في مجال حقوق الانسان ، وكانت نتائجه كارثية على الحقوق الاساسية : الصحة – التعليم – السكن – الشغل ، وبدل وضع استراتيجية وطنية لتدارك الامر تم بالممارسة التأكيد الفعلي على الاجهاز على هذه الحقوق ، حيث تم الاعلان رسميا عن العمل بالتعاقد في غياب أي ضمانات قانونية مما أدى الى احتجاجات عارمة في جل القطاعات العامة والخاصة ، ولم يكن رد الدولة سوى المزيد من العنف والقمع ، وحتى المواطنات والمواطنين الذين يعيشون من مهن موسمية وهامشية طالهم التضييق ، لقد بلغ بالبعض الاحباط الى درجة حرق الذات، واللجوء إلى حلول شبه غريبة دفاعا عن العدالة الاجتماعية  والحق في العيش الكريم ، كما هو الحال لشهيد الحكرة في المغرب محسن فكري ، لكن ما نأسف له هو لامبالاة بعض مؤسسات الدولة بماحدث خاصة المجلس الوطني لحقوق الانسان ، لقد سئمنا من كثرة الاحالة على لجن التحقيق دون نتائج تذكر، الاكيد أن هذا الوضع الذي يؤشر على المزيد من الغنى والرفاهية لفئة استفادت من الكثير من الامتيازات ، مقابل فئة مسحوقة تعاني من غياب أبسط الشروط لضمان الكرامة ، الاكيد ان هذا الوضع سيقودنا الى المجهول ...

3 شهدنا هذه السنة حربا أعلنتها الدولة على الأطر العليا التي طالبت بحقها في التشغيل وماتزال، ألا ترى أن العنف أصبح لغة الدولة بدل الحوار؟

علينا أن نكون واضحين ، الدستور الحالي لايضمن الشغل للمغاربة بشكل الزامي ، وهذا ماكنا نبهنا اليه اللجنة الملكية المكلفة بتعديل الدستور الاخير، ففي الدستور السابق كان لزاما على الدولة أن توفرالحقوق الاساسية ومن بينها الشغل ، لكن الصيغة الحالية في دستور 2011 غير ملزمة فالفصل 31 منه يقول : " تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة ، لتيسير اسباب استفادة المواطنات والمواطنين ، على قدم المساواة من الحق في ......." من هنا يبدو لزاما على المركزيات النقابية والمنظمات الحقوقية أن تعتبرملف التشغيل خاصة والحقوق الاساسية عامة أولوية لانها الوسيلة الوحيدة لضمان الكرامة والحرية والمساواة ، وعلى الدولة أن تعي أن من أسباب وجودها هي توفير الشغل لكافة المغاربة ، وهذا يقتضي فتح حوار جدي ومسؤول بين كافة المكونات المعنية بالملف ، اذ أنه من العار على دولة أن تصرف الملايير على ابنائها وفي أخر المطاف ترميهم للشارع انها معركة السنوات المقبلة ان شاء الله  

 4 ماذا عن الهيئات الحقوقية بالمغرب، كيف ترى واقعها؟

أعتقد أن الحركة الحقوقية بالمغرب في وضع جيد ، نلمس هذا عندما يصبح الشغل الشاغل لاجهزة الدولة هو التضييق علينا ومنع أنشطتنا ، والمراقبة اللصيقة  لمناضلاتنا ومناضلين ، هذه الممارسات اللاقانونية التي استهدفت الجمعيات الحقوقية لم تقف عند هذا الحد، بل تطورت بشكل أكبر بعد التصريحات الخطيرة ، التي قدمها وزير الداخلية داخل قبة البرلمان، بتاريخ 15 يوليوز 2014، والتي تهجم فيها على الحركة الحقوقية المغربية بكاملها، واتهمها بخدمة أجندات خارجية وبالإضرار بالمصالح الوطنية للبلد، وأنها تحول دون أن تقوم أجهزة الأمن بعملها في مكافحة الإرهاب، وما إلى غير ذلك من الاتهامات التي لا تستند على أي أساس قانوني أو مادي؛ وهو ما دفع منظمتنا إلى إصدار بيان شديد اللهجة يطالب وزير الداخلية بتقديم أدلة على ما ادعاه وان لم تتوفر لديه أن يقدم استقالته ، وهو ما تأكد لحدود الان فالجمعيات المكونة للائتلاف المغربي لهيئات حقوق الانسان  وضعيتها المالية والتنظيمية جيدة ورغم حالات الافتحاص  التي شملت بعضا من مكوناتها تبين بالملموس أن ماتم ادعاؤه غير صحيح ، ولم يؤثر عليها لان استراتيجية الحركة الحقوقية بالمغرب ليست لحظية ، وانما تترافع وفق خطة عمل يحضر فيها المستعجل والمتوسط المدى والبعيد ، وواهم من يعتقد أنه يمكن تركيع الحركة الحقوقية بالمغرب.

 

5 الهيئات الحقوقية تعتبر أن طي ملف ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لايستقيم إلا بإقرار عدم الإفلات من العقاب وأجرأة الحكامة الأمنية، فكيف ترون تعاطي السلطات العمومية مع هذين المطلبين؟

في التجربة المغربية للعدالة الانتقالية - مع الأسف - نسجل غياب إستراتيجية وطنية لمناهضة الإفلات من العقاب ، بل وأدى هذا الوضع الى اعتباره  انتهاكا مضاعفا لحقوق الإنسان في حد ذاته ، فهو يحرم الضحايا وأقاربهم من الحق في إقرار الحقيقة والاعتراف بها، والحق في إقرار العدالة، والحق في الإنصاف الفعال والتعويض، وهو يطيل أمد الأذى الأصلي الذي لحق بالضحية من خلال السعي لإنكار وقوعه، وفي هذا انتهاك آخر لكرامة الضحية وإنسانيته ، ونحن في العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان نعتبر أن فشل الدولة المغربية في وضعية استراتيجية وطنية لمناهضة الافلات من العقاب يعود بالأساس الى مايلي :

 أ‌-  غياب التحقيقات الكاملة والمستقلة؛

ب- التحقيقات أو إجراءات المحاكمة الطويلة أو غير الملائمة؛
ج- حرمان الضحايا من إمكانية الانتصاف لأنفسهم اعتمادا على التقاضي؛
د- الاستهانة بأحكام القضاء وعدم وجود مستويات مناسبة للعقوبات لمرتكبي الانتهاكات؛
هـ- اشكالية الحصانة التي استفاذ منها بعض منتهكي حقوق الانسان ابان سنوات الرصاص؛

ومع ذلك فالحركة الحقوقية الوطنية لازالت تترافع من أجل البحث عن مزيد من الضمانات القانونية لاجرأة عدم الافلات من العقاب والحكامة الامنية ، وذلك بتفعيل ماورد في توصيات هيئة الانصاف والمصالحة ، فبالإضافة الى الترافع من أجل ذلك – الذي كان وراء تحقيق مجموعة من المكاسب الحقوقية – فنحن في اطار هيئة متابعة توصيات المناظرة الوطنية حول  الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسانننظم مسيرة سنوية بالمناسبة لتذكير الدولة المغربية بمطالب الحركة الحقوقية الوطنية في هذا المجال ومسيرة هذه السنة تزامنت مع اليوم العالمي لحقوق الإنسان ، حيث ستنظم يوم 11 دجنبر على الساعة العاشرة صباحا انطلاقا من باب الحد مرورا بشارع محمد الخامس ووقوفا أمام البرلمان وختاما التجمع  أمام محطة القطار بالرباط ، حيث ستتلى كلمة بالمناسبة من طرف اللجنة المنظمة تذكر فيها بمطالب الحركة الحقوقية لطي ملف الانتهاكات الجسيمة ، وحتى لا يتكرر ذلك مستقبلا.  
 

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي انباء24

أضف تعليقك