ورطة بنكيران

توفيق بوعشرين

يوجد رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، زعيم العدالة والتنمية، في ورطة سياسية الآن، ولهذا لوح حديثا في البرلمان باحتمال عدم عودته إلى رئاسة الحكومة حتى قبل تنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة، التي تقول أغلبية المؤشرات إن حزب المصباح مرشح للفوز بمرتبتها الأولى إن لم يفز بأغلبيتها. ورطة بنكيران أن حزبه يتقدم انتخابيا في حين أن التجربة الديمقراطية تتراجع سياسيا. هو يربح أصوات الناخبين، والسياسة تخسر روح الديمقراطية، ويخسر معها دستور الربيع المغربي، وحرية الصحافة والتعبير والحق في تأسيس الجمعيات واستقلالية القضاء وتنافسية الاقتصاد وحكامة الإدارة… وبالمجمل، يخسر التحديث السياسي مواقع عديدة في خريطة ممارسة السلطة، ونرجع تدريجيا إلى «الاستبداد الناعم» الذي اعتقدت الطبقات الوسطى أنها دفنته مع 20 فبراير، وكأن الفاتورة التي يجب أن يدفعها المغاربة مقابل إشراك الإسلاميين المغاربة في جزء من الحكم هي التراجع حتى عن المكتسبات السابقة. إنه نوع من العقاب السياسي للشعب الذي وضع بنكيران وصحبه في المرتبة الأولى في انتخابات نونبر 2011 وفي انتخابات شتنبر 2015.
كلما تحسنت مؤشرات الحزب الانتخابية تدهورت مؤشرات الحقوق والحريات والممارسة الديمقراطية في البلاد، والأكثر مدعاة للحزن أن بنكيران وحزبه لا يملكون سوى رد واحد على هذا التراجع: «تقطار الشمع، وإياك أعني واسمعي يا جارة».. كلما اشتد الخناق على السيد بنكيران وحزبه يمتشق سيف الكلام، ويضع أمامه كتلة كبيرة من الشمع، ويبدأ في التقطار على خصومه، ثم يطوي الصفحة، ويدخل إلى بيته في انتظار أزمة جديدة أو قالب جديد أو قشرة موز جديدة.. هو، إذن، يدافع عن نفسه وصورة حزبه فقط، ولا يدافع عن المغاربة وطموحهم في أن يروا تجسيدا ملموسا لشعار: «محاربة الفساد والاستبداد». عدد من وزراء حكومته فطنوا إلى أن رئيسهم يصرخ لكنه لا يغض، ولهذا «أخذوا راحتهم»، ورجعوا إلى تدبير القرارات الحساسة من خارج المجلس الحكومي، وأصبح بنكيران «كالأطرش في الزفّة»، كما يقول المصريون، يتكلم كثيرا ليغطي على قلة القرارات التي يتخذها، يرفع صوته للتعبير عن الغضب والألم وكأنه معارض وليس رئيس حكومة، حتى إن الناس بدؤوا يتعاطفون معه ويشفقون على حاله. هذا أمر جيد للعلاج النفسي للمظلوم، لكنه ليس استراتيجية سياسية لدمقرطة البلاد وحماية استقرارها على المدى الطويل.
بنكيران يقود عربة لا يعرف إلى أين تأخذه، والأدهى أنه مخدر الآن بسلطة الكرسي، ويعتبر أن مجرد بقائه في العربة الحكومية إنجاز عظيم، وأن نتائج الانتخابات دليل على صواب اختياراته، وأن تصاعد شعبيته سلاح سيمنع الآخرين من التخلص منه، وأن المستقبل في صفه رغم أنه يخسر المعركة كل يوم بالنقاط، حتى وإن لم يكن بالضربة القاضية، لكن السيد بنكيران، المعروف بدهائه الفطري، لا يرى إلا النصف الممتلئ للكأس، ولا يرى النصف الفارغ، وأوله أن «اللي فراس الجمل فراس الجمالة»، وأن أول حكومة بعد الربيع العربي إذا لم تستطع أن تضع البلاد على السكة الديمقراطية، وأن تحمي الدستور، وأن تدافع عن اللعب النظيف في السياسة، وأن تحترم المؤسسات، فإن كل منجزاتها ستصير كتابة فوق الرمال. بنكيران يعيد تكرار خطأ عبد الرحمان اليوسفي الذي مات مشروع الانتقال الديمقراطي في يده، ولم يفطن إلا بعد أن جرى الاستغناء عن خدماته، وجيء بتقنوقراطي إلى رئاسة الوزراء، عندها فقط أخذ تذكرة سفر إلى بروكسيل بالطائرة، وأعلن من هناك موت التناوب التوافقي، وقال للعالم: «في المغرب الحكومة والحكم شيئان مختلفان، وأنا كنت في رئاسة الوزراء لكن الحكم كان في مكان آخر».
هل الناخب أعطاك، يا سيد بنكيران، 107 مقاعد في مجلس النواب، وثلثي المدن الكبيرة في الانتخابات الجماعية، ومليونا و700 ألف صوت فقط لكي تصلح صندوق المقاصة وصندوق التقاعد، وترفع منحة الطلبة بـ200 درهم، وتخفض ثمن بضع مئات من الأدوية، وتصرف 350 درهما لأطفال الأرامل؟ هل هذا هو كل طموحك السياسي، وجوهر الوعد الذي قطعته للمغاربة عشية الربيع المغربي: «الإصلاح في ظل الاستقرار»؟ نعم الإصلاح مساره طويل ومعقد، ويحتاج إلى جهد ووقت، لكن «الليلة الفضيلة كتبان من عند العصر»، والعصر اليوم يقول إن البلاد مقبلة على ليل حالك وطويل، وإن الربيع المغربي تفكك وهو يباع بالتقسيط في خردة البازار السياسي.
هناك نكتة غير سياسية يحكيها المغاربة عن أب ذهب إلى عائلة لخطبة فتاة لابنه، فلما رأى العروس أعجبته فخطبها لنفسه عوض أن يخطبها لابنه، وعندما رجع إلى البيت سأل الولد أباه: «هل وافقت عائلة العروس على زواجنا؟»، رد عليه الأب وعلامات الحزن الكاذب تعلو وجهه: «اسكت يا ولدي، بصعوبة قبلوا زواجي بها أما أنت فمستحيل». بنكيران سيرجع إلى المغاربة في 2016، ويقول لهم: «لا تسألوا عن مطالب الإصلاحات السياسية إبان ولايتي التي انقضت مثل البرق، ولا عن احترام حقوق الإنسان في عهدي، ولا عن التنزيل الديمقراطي للدستور في حكومتي، ولا عن تحديث أساليب القرار في منهجية عملي، ولا عن محاربة الفساد والاستبداد، كما وعدتكم في البرنامج الانتخابي السابق… أيها المغاربة، بصعوبة كبيرة ومشقة الأنفس استطعت أن أطبع علاقتي وعلاقة حزبي مع الدولة العميقة لتقبل بالملتحين وزراء في حكومة ائتلافية».

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي انباء24

أضف تعليقك